الشيخ محمد رشيد رضا

235

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

له فيهم « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » والآية ناطقة بأن التوبة الصحيحة تكون مقبولة حتما إذا كملت شرائطها ، وظاهر الآية ان منها أن تكون عقب الذنب كما يدل الشرط والعطف بالفاء وهو بمعنى « ثم يتوبون من قريب » وتقدم تفسيره . وذكر الأستاذ الامام انه تعالى سمى ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس أي افسادا لمصلحتها لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم ، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك . والاستغفار هو الاقبال على اللّه وعزم التائب على اجتناب الذنب وعدم العود اليه مع الصدق والاخلاص للّه في ذلك . واما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارا حقيقيا . أقول يعني ان ما اعتاده الناس من تحريك اللسان بلفظ « استغفر اللّه » لا يعد طلبا للمغفرة لأن الطلب الحقيقي ينشأ عن الشعور بالحاجة إلى المطلوب فلا بد ان يشعر القلب أولا بألم المعصية وسوء مغبتها ، وبالحاجة إلى التزكي من دنسها ، ولا يكون هذا الا بما ذكر الأستاذ من التوجه القلبي إلى اللّه بالصدق والاخلاص والعزم القوي على اجتناب سبب هذا الدنس وهو المعصية ، وكيف يكون متألما من القذر الحسي من ألفه وعرض بدنه له إذا طلب غسله باللسان ، وهو لا يترك الالتياث به ولا يدنو من الماء وقال في استغفار الرسول انكم تعلمون ان مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة وان من سنته تعالى ان يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وان كان كل داع موعودا بالاستجابة . وحقيقة الدعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى ، والإجابة التي وعد بها هي الإثابة وحسن الجزاء فمتى اخلص الداعي أجاب اللّه دعاءه سواء كان باعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الاجر والثواب ، وانما كانت المشاركة في الدعاء أرجى للقبول لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي ان ذنبه يكون هو السبب في شعورهم واحساسهم كلهم بالحاجة إلى اللّه تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده فكأن حاجته حاجتهم كلهم . فإذا كان الرسول ( ص ) هو الداعي والمستغفر